مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )

54

محمد ( ص ) في مكة

وقد بالغ بعض النقاد الغربيين في التأكيد على الجانب الأسطوري لهذه القصص ، وركزوا بشكل مبالغ فيه على مناقشة ما إذا كانت الشخصيات المذكورة في هذه المصادر أفرادا حقيقيين أم مجرد تجسيد للقبائل . وربما كانت هناك حقائق تاريخية أكثر مما ذكر في هذا النقد المتطرف ، ولكننا لا نعتزم أن نلمس هذا الموضوع الصعب هنا إذ انه يحول انتباهنا عن الحقيقة الهامة ، وهي أن هذه القصص تبين لنا كيف كانت قريش تدرك العلاقات بين الأسر والعشائر في زمان محمد ( عليه الصلاة والسلام ) ، وربما تكون بعض جوانب الموضوع قد حدث فيها تعديل نتيجة للأحداث التي وقعت فيما بعد ، مثل العداء بين العباسيين والأمويين الذي ربما يكون قد أثر على ما روى عن العلاقات بين بني هاشم وبنى أمية . ولكننا نستطيع أن نثق في الصورة بصفة عامة . وقدسية مكة قديمة جدا ، فبعد أن حكمتها قبيلة جرهم لفترة طويلة ، انتقل أمرها إلى قبيلة خزاعة التي ارتبط بها بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة ، واحتفظت الأسر القديمة ببعض الامتيازات التي ربما كان لها سمة مقدسة مثل الإجازة Ijazah ، التي ظلت في يد بنى صوفه Sufah ، ثم انتقلت السلطة من خزاعة وحلفائها إلى قصى الذي استمد قوته في جانب منها من حلفاء من بنى كنانة وقضاعة ، وفي جانب اخر من توحيده لجماعات قريش المختلفة التي كانت حتى ذلك الوقت متفرقة وغير مؤثرة . وربما كان قصى المؤسس لمكة بعد أن كانت مجرد مخيم حول الحرم * . كذلك ربما كان قصى هو الذي ميز بين قريش البطاح ( أولئك الذين يعيشون حول الكعبة مباشرة ) وقريش الظواهر ( وهم الذين يعيشون في الضواحي ) ، ولا شك أن هذا التمييز موجود ، ومن الطبيعي أن يفترض أنه يعود إلى الرجل الذي خصص الأحياء في بداية بناء مكة . وتنتمى سلالة قصى بأكملها وكذلك سلالة جده العظيم كعب إلى قريش

--> * ابن هشام ج 1 ، ص 78 .